الصوم الكبير هو امتلاء من المحبّة لله وللناس ، وهو زمن انفتاح القلب واليد على الأخوة الفقراء والمرضى والمحتاجين.
إنَّ ما نوفّره من الصوم والقطاعة والإماتات هو بنوع خاص للتصدّق على هؤلاء الأخوة.
محبّتهم وخدمتهم ومساعدتهم تكمّل الصوم والقطاعة وترفعهما من مستواهما المادّي إلى سموّ المحبّة الاجتماعيّة.
هذا ما يقوله الله لنا بوضوح ، على لسان النبيّ أشعيا :
“أليس الصوم الذي فضّلته هو هذا : أن تكسر للجائع خبزك ، وأن تُدخل البائسين المطروحين بيتك ، وإذا رأيت العريان أن تكسوه ، وأن لا تتوارى عن أخيك ؟"
(أشعيّا ٥٨ / ٦-٧ ).
يدعونا البابا فرنسيس للإنحناء على الأخوة الذين يعانون البؤس بأنواعه الثلاثة : البؤس المادّي ، والبؤس المعنوي ، والبؤس الروحي.
١- البؤس المادّي معروف بالفقر الذي يصيب العائشين في أوضاع منافية لكرامة الشخص البشري ، والمحرومين من حقوقهم الأساسيّة ، وحاجاتهم الأوّليّة كالغذاء والماء والشروط الصحّيّة والعمل وإمكانيّة النمو الإنسانيّ والثقافي.
الكنيسة ، التي تعتني بهؤلاء الأخوة ، عبر مؤسّساتها الاجتماعيّة المتنوّعة ، مدعوّة إلى المزيد في خدمة المحبّة الاجتماعيّة.
إنّنا نحيّي كلَّ المبادرات التي يقوم بها الأفراد والجماعات.
والبؤس المعنوي يصيب الذين يستعبدون ذواتهم للخطيئة والرذيلة.
فكم من العائلات تعيش في القلق والمعاناة بسبب أنّ بعضًا من أفرادها ، ولاسيما الشباب ، مدمنون على المسكرات والمخدّرات والدعارة ولعب القمار.
وكم من الناس ، لسبب أو لآخر ، فقدوا معنى الحياة ، والنظرة إلى المستقبل ، والرجاء ! وكم من أشخاص مُلزمين بالعيش في هذا البؤس بسبب الأوضاع الاجتماعيّة الظالمة ، وبسبب البطالة وحرمانهم من إمكانيّة العمل ومن كرامة جلب الخبز إلى بيتهم ، ومن المساواة في الحقوق ، ولاسيما الحق في التربية والصحّة ! مثل هذا البؤس قريب من بداية الانتحار.
٢- والبؤس الروحي يصيب الذين يعيشون بعيدين عن الله ، ويرفضون حُبَّه ، ويعتبرون أنّهم ليسوا بحاجة إليه ، فيما هو يمدّ يده إليهم من خلال المسيح.
هؤلاء ، إذ يظنّون أنّهم يكفون نفوسهم بنفوسهم ، إنّما يسيرون في طريق السقوط.
وحده الله يخلّصنا ويحرّرنا حقًّا.
٣- المحبّة واجبة من باب العدالة ، لأنّ الربّ رتّب خيرات الأرض لتكون لجميع الناس.
فهي من حقّ كلِّ فقير ومحتاج ، وقد علّم آباء الكنيسة أنّنا عندما نعطي الفقير صدقة ، نحن لا نحسن عليه ، بل نردّ له ما هو من حقّه.
بات من الواجب تنظيم خدمة المحبّة الاجتماعيّة ، لكي تكون في آن شخصيّة وجماعيّة ومستمرّة لا موسميّة.
وهي واجبة لاهوتيًّا، لأنّ الفقراء والمرضى والمحتاجين يحتلّون مكانًا خاصًّا في قلب الله ، حتى إنّه “هو نفسه صار بشخص يسوع المسيح ، الإله المتجسّد الذي “مسحه الروح وأرسله ليبشّر الفقراء”.
وتماهى مع الجائع والعطشان والعريان والغريب والمريض والسجين، وسمّاهم “أخوته الصغار”، مؤكِّدًا أن ما نصنعه لأحدهم إنّما نصنعه للمسيح الرب نفسه.
“إنّ عند الفقراء الكثير مما يعلّموننا إياه فهم إلى جانب مشاركتهم في آلام المسيح ، يعرفون المسيح المتألّم.
ومن الضروري أن ننفتح إلى تعليمهم وهم يعلنون لنا الإنجيل”.
فالقديس أغوسطينوس يعتبر أنّ أعمال الرحمة ينبوعٌ مقدّمٌ لنا لكي نُطفئ نار الخطايا.
والقديس بطرس الرسول يدعونا إلى أعمال المحبّة ، لأنّ “المحبّة تستر جمّاً من الخطايا”.
نقرأ في سفر يشوع بن سيراخ أنّ “الماء تطفئ النار الملتهبة ، وأعمال المحبّة والرحمة تكفّر عن الخطايا”.
وفي سفر طوبيّا : “الصدقة تنجّي من الموت ، وتطهّر من كلّ خطيئة.
ففيما كان بولس الرسول يجاهد في سبيل إعلان إنجيل المسيح في كلّ مكان ، أوصته الجماعة المسيحية في أورشليم “بألاّ ينسى الفقراء”.
إنّنا نضع تحت أنوار الروح القدس ، وحماية أمّنا مريم العذراء ، سيدة لبنان وأم المحبّة وسلطانة السلام ، وأبينا مار مارون ، ومار يوحنّا مارون ، هذه المسيرة الروحية نحو الله والإنسان ، طيلة الصوم الكبير ، بالصلاة والاغتذاء من كلام الله ، وبالتوبة والمصالحة ، وبأعمال المحبّة والرحمة.