قبل أن يعبر الرب يسوع من حياته الخفية في الناصرة إلى حياته العلنية والبدء برسالته الخلاصية ، لجأ إلى الصلاة والصوم أربعين يوما في البرية.
فاستمع في أعماق قلبه إلى كلام المزامير والأنبياء ، مكتشفا أكثر فأكثر إرادة الآب السماوي ، وتمكن بقوة الكلام الإلهي من الانتصار على تجارب الشيطان الثلاث.
“ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة تخرج من فم الله”، بهذه الكلمة الإلهية من كتاب تثنية الاشتراع ، انتصر يسوع على تجربة إنهاء صومه بتحويل الحجارة إلى خبز ، لكونه إلها قديراً.
لم يستعمل يسوع قدرته هذه ، لكي يواصل صيام التوبة والتكفير عن جميع خطايا البشر.
“مكتوب أيضاً : لا تجرب الرب إلهك” ، كلمة إلهية ثانية لجأ إليها يسوع من كتاب المزامير ، لكي ينتصر على تجربة العجب بالنفس ، واستغلال جودة الله لمنافع شخصية فالشيطان لجأ في تجربته إلى كلام إلهي من كتاب المزامير : فإذا ألقى بنفسه من شرفة الهيكل إلى أسفل “يوصي الله ملائكته به ، وعلى أيديهم يحملونه ، لئلا تصطدم رجله بحجر”.
“للرب إلهك تسجد ، وإياه وحده تعبد” ، استلهم يسوع هذه الكلمة الإلهية من الوصية الأولى من وصايا الله العشر ، للانتصار على تجربة الخيانة بعبادة آلهة غير الله ، من أجل مكاسب ومطامح.
فالشيطان وعد يسوع بإعطائه جميع ممالك الدنيا ومجدها إذا جثا ساجداً له.
لقد علمنا الرب يسوع الكثير في انتصاره على التجارب الثلاث :
بقوة الصلاة وسماع كلام الله ، انتصر يسوع على تجربة إعلان نفسه إلها بعلامة حسية هي تحويل الحجر إلى خبز ، لئلا يضحي بنهج إخلاء ذاته من أجل خلاص البشر.
إنها تجربة الخبز والمال والسلطة ، التي يتعرض لها عالمنا ، مشككاً بالله وبقدرته :
”أين هو الله؟ ما هي قدرته أمام قدرة البشر؟” ، هكذا يتساءل المشككون عابدو خيرات الأرض والمال والسلطة.
ويتساءلون : ”ماذا تفعل لكم الكنيسة ؟ ، إنها عديمة القدرة على سد حاجات الناس المادية ، بل عديمة التأثير على السياسيين والإقطاعيين والرأسماليين.
“الجيل الشرير يطلب آية”.
لكن الله ، المتجلي في يسوع المسيح والكنيسة ، جسده السري ، لا يعرفان بالآيات الحسية بل بالإيمان والحب.
إن أسياد الدول النافذين المتسلطين على شعوبهم ، وغير الآبهين بحالات فقرهم وحرمانهم وتبددهم “مثل خراف لا راعي لها” ، هؤلاء لم يحولوا الحجارة إلى خبز ، بل على العكس أعطوا شعوبهم حجارة بدلا من الخبز.
أما يسوع فحول الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه ، طعاماً سماوياً يسند حياة البشر كل يوم ، من أجل تعزيز عالم أفضل قائم على التضحية والمحبة والعطاء.
فتكثر ثروات الأرض وتشبع جميع سكانها، جيلا بعد جيل. آميـــــــن.