الغاية من الصّوم إعداد الذّات للعبور مع المسيح الربّ في فصحه ، من حالة الخطيئة إلى حالة النّعمة ، "من الإنسان العتيق إلى الإنسان الجديد" كما يُسمِّيه بولس الرّسول.
أليست الطّبيعة ، من بعد أن تجرّدت أشجارها من عتيق أغصانها وورقها ، تدخلُ زمن الرّبيع لتلبس ثوبًا جديداً ، وتزهر لكي تعطي ثمارها لحياة البشر؟ كم نحنُ بالحريّ أفضل منها.
الصّوم ضرورة من أجل بلوغ غايته ، على ما يقول بولس الرّسول :
"ليس ملكوت الله أكلًا وشرباً ، بل هو برٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الرّوح القدس".
وعلى ما أكّدَ الرّبّ يسوع للمجرِّب :
"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكلِّ كلمة تخرج من فم الله" ( متى ٤/٤ )؟.
لا يتوخّى زمن الصوم فرض أصوام وإماتات تفوق طاقتنا البشرية لأنّ الربّ يريد "رحمة لا ذبيحة" ، وأن لا تكون خياراتنا في الأطعمة والأشربة سببًا للخصام مع إخوتنا لأنّ المحبّة هي التي تجب أن تحكم أوّلًا في كلّ أصوامنا.
وهذا ما يُعبّر عنه بولس الرسول بقوله :
"إن كنت من أجل الطعام تُحزنُ أخاك ، فلا تكون سالكًا في المحبّة . فلا تُهلك بطعامك ذاك الذي مات المسيح من أجله ! ."
لكن ما يجب التيقّظ له أيضًا هو أن لا يتحوّل أكلنا وشربنا ليكون سبب عثرة لأخينا ، بل فلتتحول كلّ أصوامنا لمجد الله.
الصّوم وسيلة للإنتصار على الشّيطان والجسد والأهواء الرّديئة.
فالربّ يسوع انتصرَ بصيامه على تجارب الشّيطان الثلاث ، الذي حاول إغراءه للسّقوط في شهوات العالم التي يختصرها يوحنا الرّسول بثلاث : شهوة الجسد بتجربة تحويل الحجارة إلى خبز بقوّة يسوع الإلهيّة ، وشهوة العين بتجربة الحصول على جميع ممالك الدّنيا ومجدها ، وكبرياء الحياة بتجربة رمي يسوع ذاته من أعلى جناح الهيكل ، فيحمله الملائكة على أكفّهم لئلّا تصطدم رجله بحجر.
وهكذا ترك لنا "الرّبّ قدوةً في ذاته" ، لكي نسيرَ بالصّوم نحو الملكوت وننتصر على تجارب الحياة ، كما يوصي القدّيس مكاريوس الكبير : " صوموا مع المخلّص لتتمجّدوا معه وتغلبوا الشّيطان ".
يُخبر الآباء القدّيسون أنّ الشّهداء ، عندما يبلغهم خبر اليوم الذي سينالون فيه إكليلهم ، لا يذوقون شيئًا البتّة في اللّيلة السّابقة ، ولا يتناولون طعامًا، ولكنّهم ينتصبون من المساء إلى الفجر في الصّلاة ، متيقِّظين في شكرٍ وحمدٍ بتراتيل وتماجيد وتسابيح وألحان روحيّة شجيّة، مسرورين، منتعشين مترقِّبين تلك اللّحظة ، يتوقون وهم صائمون إلى ضربة السّيف يُكلّلهم بإكليل الشّهادة.
في تعليم الإنجيل والكتب المقدّسة ، آمــــــــــــين.