كلّ أناجيل آحاد الصوم تقدّم لنا نماذج التغيير الذي حقَّقه المسيح، بفيضٍ من حبِّه ورحمته للإنسان، وكطبيبٍ للأرواح والأجساد.
هذا الزمن هو زمن التقشف والإماتات والصلوات وقراءة الكتاب المقدس... إنه زمن تقوى يعيشه أبناء الكنيسة معلنين إيمانهم بالمسيح وهم يتوجهون إلى آلامه وموته وقيامته.
الصوم مسيرة روحيّة تعني السّعي إلى نيل الحياة الجديدة في الروح القدس، التي استحقّها لنا الربّ يسوع بآلامه وقيامته.
فرمّم بنعمته ما شوّهت فينا الخطيئة، نحن المخلوقين على صورة الله ، والمولودين ثانيةً من الماء والروح، على شبه المسيح، فدُعينا مسيحيّين.
هو الروح القدس يُحيي فينا الإيمان والرّجاء والمحبّة، وتغتذي حياتنا الروحية من كلام الله، نسمعه ونتأمّل فيه، ونحفظه في قلوبنا، ليختمر فينا.
تنطلق هذه المسيرة الروحيّة من كلمة الله في سفر التكوين ، تردّدها علينا الكنيسة مع مسحة الرّماد على جباهنا : “أُذكرْ يا إنسان أنّك تراب وإلى التراب تعود”.
إنّها دعوةٌ إلى التواضع والإقرار بخطيئتنا والتوبة والتماس المغفرة من الله.
هذا التذكير يساعدنا لكي نعيش تحت نظر الله بشكل أفضل ، ونرتفع بقوّة الروح إلى القمم الروحيّة والأخلاقيّة ؛ ولكي نفهم عظمة محبّة الله الذي اختار الارتباط بنا ، نحن الضعفاء ، والسريعو العطب ، إذ جعلنا المسيح أعضاء في جسده ، لكي يواصل من خلالنا حضوره في المجتمع والعالم.
إنّه لسرٌّ عظيم عبّر عنه القديس جان Eudes مخاطباً المسيحيّين : تذكّروا أنَّ يسوع المسيح هو رأسُكم الحقيقي وأنتم أعضاء في جسده.
ارتباطه بكم مثل ارتباط الرأس بالأعضاء : كلّ ما هو له ، هو لكم ، روحه ، قلبه ، جسده ، نفسه وكلّ قوّته.
أمّا أنتم فعليكم استعمالها كأنّها لكم ، لكي تخدموا الله وتسبّحوه وتحبّوه وتمجّدوه.
وارتباطكم به مثل ارتباط الأعضاء برأسهم.
يرغب المسيح بكلّ شوق في استعمال كلّ ما فيكم من أجل خدمة أبيه السماوي ومجده، وكأنّها اشياء خاصّة به”.
هي مسيرة توبة داخليّة إلى الله ، تقتضي تغييراً في أعماق القلب تحت تأثير كلام الله ونعمته والنظر إلى ملكوت الله كالغاية الأساسيّة من الوجود، وتغييراً في المسلك والحياة بأعمال حسنة تليق بالتوبة ، وبالسعي المستمر إلى الأفضل.
لكن التوبة لا تتمّ إلّا بالتقشّف والجهد اليومي الرامي ، بمساندة نعمة الله، إلى خلع الإنسان العتيق ولبس الجديد على صورة المسيح.
هذا التقشّف ميزة جوهرية في المسيحيّة قوامها تغليب ما هو روحي على شهوات الجسد والميول المنحرفة.
هذا ما يدعونا إليه الربّ يسوع بقوله: “من أراد أن يتبعني فليزهدْ في نفسه ويحملْ صليبَه ويتبعني، لأنّ الذي يريد أن يخلّص حياته يفقدها، والذي يفقدها في سبيلي يجدها.
فماذا ينفعُ الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟ وماذا يعطي الإنسان بدلاً من نفسه؟". آمــــــــــــين.