رافقت ممارسة الصيام والقطاعة والأماتات حياة الكنيسة منذ نشأتها ، كتعبير خارجي حسي عن التوبة الداخلية ، وتكفير عن الخطايا والآثام ، وترويض للذات على الصمود في وجه تجارب الحياة ومغرياتها ، وكوسيلة ملائمة للصلاة ، ورفع العقل والقلب إلى الله ، للاستنارة منه ولالتماس النمو في الفضائل.
وتكتمل هذه الممارسة بالالتزام أعمال المحبة والرحمة تجاه كل من هم في حاجة إليها.
ومعلوم أنها ممارسة مطلوبة من قبل الله في الكتب الموحاة ، وأن جميع الأديان تعيشها وتحافظ عليها جيلا بعد جيل.
الرب يسوع نفسه مارس الصوم ، منقطعاً عن الطعام طيلة أربعين يوماً وأربعين ليلة ، استعداداً لبدء رسالته الخلاصية.
وأوصانا بأن نصوم من دون تظاهر كاذب ، بل بانسحاق قلب أمام الله ، وبإصلاح في المسلك.
أيام الصيام تقتضي منا العيش بالصلاة والخلوة مع الذات ، والابتعاد عن ضجيج العالم ، من أجل الإصغاء لإرادة الله ، ومحاسبة حياتنا ومسلكنا في ضوء إرادته ورسومه ووصاياه.
إن الذين بحثوا عن الله بالصوم والصلاة وجدوه ، ووجدوا معنى وجودهم وغايته ، كما وجدوا الأجوبة على تساؤلاتهم الكثيرة.
في أيام الصوم ، ننتصر على شهوات الحياة الثلاث التي تكلم عليها يوحنا الرسول ، وانتصر عليها الرب يسوع عندما جربه الشيطان ، كما رأينا.
فكانت شهوة الجسد ومتطلباتها المتمثلة بتجربة تحويل الحجارة إلى خبز لسد جوعه ، وشهوة العظمة وكبرياء الحياة المتمثلة بتجربة إلقاء نفسه من على شرفة الهيكل بحماية الملائكة التي تأتي وتحمله فلا يصطدم بحجر ، وشهوة العين ورغباتها المتمثلة بتجربة الحصول على ممالك الدنيا.
يعود هذا الانتصار إلى التعمق في كلام الله الذي بواسطته كان يدحر يسوع تجارب الشيطان ، هذا يعني أن الصوم يقتضي ، إلى جانب الصلاة ، التشبع من كلام الله من خلال التأمل في الكتب المقدسة ، والمشاركة في سماع مواعظ الصوم ، وإيجاد وقت ، ولو وجيزاً في النهار ، للتأمل في نص من الإنجيل ، شخصياً أو جماعياً ، في العائلة أو في جماعة منظمة.
والصيام ضروري لثباتنا في الإيمان الذي به نتغلب على جميع مصاعب الحياة ومحنها.
عندما شفى يسوع صبياً مصاباً بالصرع وممسوساً من الشيطان ، سأله تلاميذه : “ لماذا عجزنا نحن عن شفائه ؟ ” ، فأجاب : “ هذا الجنس من الشياطين لا يطرد إلا بالصوم والصلاة ”.
أجل ، زمن الصوم هو الوقت المناسب للثبات في الإيمان ، الذي من دونه نبقى سريعي العطب ، ومثل قشة يتجاذبها الريح.
إن شريعة الصيام توجب الامتناع عن الأكل والشرب من نصف الليل حتى الظهر ، مع إمكان شرب الماء ، وتوجب القطاعة عن أكل اللحم والبياض في أيام الجمعة كإماتة تذكرنا بألآم المسيح وموته لفدائنا. آمــــــــــــين.